الشيخ السبحاني
324
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
ولأجل ذلك نرى في التشريعات الجنائية العالمية قوانين للعفو عن السجناء المؤبّدين ، إذا شوهدت منهم الندامة والتوبة ، وتغيير السلوك ، فتشريع هذا القانون يكون موجبا لإصلاح السجناء ، لا تقوية روح الطغيان فيهم . فالإنسان حيّ برجائه ، ولو ساد عليه اليأس والقنوت من عفوه ورحمته سبحانه ، لزاد في طغيانه في عامة أدوار عمره . الأمر الثاني - حقيقة التوبة إنّ التوبة كما يستفاد من الآيات والروايات حالة نفسانية مؤثّر في النفس فتصلحها وتعدها للصلاح الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة . ومن المعلوم أنّ هذه الغاية لا تحصل إلا بتحقق أمرين : 1 - الندم على ما مضى . 2 - العزم على عدم العودة إليه إذا قدر . فلو انتفى الأمران أو أحدهما لما حصلت تلك الحالة المؤثرة في صلاح النفس وإعدادها لكمالات أخرى ، فيلزم في التوبة وجود هذين الأمرين ، سواء أقلنا : إنّ التوبة مركبة منهما وأنّ كل واحد منهما جزء لها ، كما نقل عن أبي هاشم الجبائي ، أو قلنا : إنّ التوبة أمر بسيط هو الندم على ما مضى ، وأما العزم فهو من شروطها ولوازمها ، كما عليه الشيخ المفيد « 1 » ، فإن هذا نزاع لفظي لا ثمرة له إلا في موارد نادرة ، كما إذا ندم على ما سلف من القبيح ومنع من العزم ، فعلى القول الأوّل لم تتحقق التوبة دون الثاني . وهناك كلام للإمام أمير المؤمنين حول التوبة ، وقد سمع من بحضرته يقول : أستغفر اللّه ، فقال : أتدري ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العلّيّين ، وهو اسم واقع على ستة معان : أوّلها : الندم على ما مضى .
--> ( 1 ) أوائل المقالات ، ص 61 .